علي الأحمدي الميانجي

210

التبرك

لا يعرف حقيقة الأمر فيظنّه واجباً ، وكلا الأمرين مأمون من ابن عمر ، وقد تقدّم حديث عتبان وسؤاله النبي صلى الله عليه وآله أن يصلّي في بيته ليتّخذه مصلّى وإجابة النبي صلى الله عليه وآله إلى ذلك فهو حجّة في التبرّك بآثار الصالحين . وقال « 1 » : أعرف من صنيع ابن عمر ، استحباب تتبّع آثار النبي صلى الله عليه وآله والتبرّك بها ثمّ قال : « وقد قال البغوي من الشافعية : إنّ المساجد التي ثبت أنّ النبي صلى الله عليه وآله صلّى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها تعين كما تتعيّن المساجد الثلاثة ( ثمّ تكلّم عن تعيين هذه المساجد التي صلّى فيها النبي صلى الله عليه وآله ) . أقول : هذه المحامل ما هي إلّا تبرير لعمل الخليفة وفتواه ، وإن كان مخالفاً لظاهر الأحاديث المروية في هذه القصّة ، إذ في رواية ابن أبي الحديد يصرّح بأنّ الناس كانوا يصلّون فنهاهم عمر ، ويصرّح بأنّ اتخاذ آثار الأنبياء بيعاً ومعابد هو الذي أهلك الأوّلين لا زيارة الأماكن . مع أنّه لو حمل فتواه هنا على هذين المحملين ، فعلى ما ذا يحمله في قصة البئر التي برّكها الرسول وتبرّك بها الصحابة ، وفي الصلاة إلى الأحجار التي صلّى إليها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وفي قصّة الحجر الأسود وفي قصة دفن الجذع ؟ ! أمّا أنا فلا أرى حملًا أحسن وأوجه من أن يقال : إنّه أخطأ في اجتهاده في مقابل النصوص ، وهو قد اعترف بذلك في مسائل كثيرة كما لا يخفى على من له أدنى تتبّع ، وقد كان يرى لنفسه الاجتهاد على خلاف النصّ الصريح من الكتاب والسنّة « 2 » . واحتمال أن تكون هذه الفتوى مختلقة وكذباً على الخليفة بعيد جدّاً بعد أن نقلها عنه أعلام الحديث وصحّحوها .

--> ( 1 ) فتح الباري 1 : 471 . ( 2 ) راجع النص والاجتهاد للعلّامة شرف الدين ، والغدير 6 : واعترف بذلك أحمد أمين في فجر الإسلام .